محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 16
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
رؤياه عند اللّه ، وهو لا يشعر ، ولذلك قال اللّه تعالى لإبراهيم عليه السلام حين ناداه أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا وما قال له : صدقت في الرؤيا أنه ابنك ؛ لأنه ما عبرها بل أخذ بظاهر ما رأى ، والرؤيا تطلب التعبير ، فلو صدق في الرؤيا لذبح ابنه ، وإنما صدّق الرؤيا في أن ذلك عين ولده ، وما كان عند اللّه إلا الذبح العظيم في صورة ولده ، ففداه لما وقع في ذهن إبراهيم عليه السلام ، ما هو فداء في نفس الأمر عند اللّه ، فصوّر الحس الذبح ، وصور الخيال ابن إبراهيم عليه السلام ، فلو رأى الكبش في الخيال لعبره بابنه أو بأمر آخر ، فموطن الخيال يطلب التعبير ، وقد غفل بقي بن مخلد - الإمام صاحب المسند - عن توفية الموطن حقه ، وقد سمع في الخبر الذي ثبت عنده ، أنه قال عليه السلام « من رآني في النوم فقد رآني في اليقظة ، فإن الشيطان لا يتمثل على صورتي » فرآه بقي بن مخلد ، وسقاه النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الرؤيا لبنا ، فصدّق بقي بن مخلد رؤياه ، فاستقاء فقاء لبنا ، ولو عبر رؤياه لكان ذلك اللبن علما ، فحرمه اللّه علما كثيرا على قدر ما استقاء ، ألا ترى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتي في المنام بقدح لبن قال « فشربته حتى خرج الري من أظافري ، ثم أعطيت فضلي عمر » قيل « ما أولته يا رسول اللّه ؟ » قال « العلم » وما تركه لبنا على صورة ما رآه ، لعلمه بموطن الرؤيا وما يقتضي من التعبير ، فمن تجسد له روح النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام ، بصورة جسده كما مات عليه ، لا يخرم منه شيئا ، فهو محمد صلى اللّه عليه وسلم المرئي من حيث روحه ، في صورة جسدية تشبه المدفونة في المدينة ، لا يمكن للشيطان أن يتصور بصورة جسده عليه السلام ، عصمة من اللّه في حق الرائي ، ولهذا من رآه بهذه الصورة ، يأخذ عنه جميع ما يأمره أو ينهاه عنه أو يخبره ، كما كان يأخذ عنه في الحياة الدنيا من الأحكام ، على حسب ما يكون منه اللفظ الدال عليه ، من نص أو ظاهر أو مجمل أو ما كان ، فإن أعطاه شيئا فإن ذلك الشيء هو الذي يدخله التعبير ، فإن خرج في الحس كما كان في الخيال ، فتلك الرؤيا لا تعبير لها ، وبهذا القدر وعليه اعتمد إبراهيم عليه السلام وبقي بن مخلد ، ولما كان للرؤيا هذان الوجهان ، وعلّمنا اللّه - فيما فعل إبراهيم عليه السلام ، وما قال له - الأدب لما يعطيه مقام النبوة قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا علمنا في رؤيتنا الحق تعالى في صورة يردها الدليل العقلي ، أن تعبر تلك الصورة بالحق المشروع ، إما في حق الرائي أو المكان الذي رآه فيه ، أو هما معا ، فإن لم يردها الدليل العقلي أبقيناها على ما رأيناها ، كما يرى الحق في الآخرة سواء . ( فصوص الحكم / فص حكمة إسحاقية )